يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

194

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ [ آل عمران : 190 ] إلى آخر الآية ؛ قال : ويل لمن قرأ هذه الآية ثم مسح بها سبلته ، وسيأتي الحديث بذلك مستوفى في باب الراء إن شاء اللّه تعالى ، ومعناه أن يقرأ ويترك التأمل ، ويقتصر في فهم السماء على اللون وضوء الكواكب دون أن يعرف أنها مسخرة بأمر اللّه تعالى لمصالح عباده وبلاده . ولا تظنّ أن معرفة ذلك تقدح في الشرع لنهي النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الاشتغال بعلم ذلك ، إنما لمنهي عنه أن تعتقد أنها فاعلة لآثارها مستقلة بها وأنها ليست مسخرة تحت تدبير مدبر خلقها وقهرها ، فهذا كفر ، أو تعتقد تصديق ما يقول المنجم مما يدّعيه من علم الغيب ، وهذا باطل إذ لا يعلم ما في غد إلا اللّه ، وتأكد النهي أيضا فيها لأنها كانت تعبد وعابدوها يزعمون أنها تحكم وتقضي ، تعالى اللّه عن قولهم ، ولقد صدق الذي يقول : لو دبرت أنفسها لم تغب * واطلع الناقص كالكامل فإذا قال الإنسان : قد أجرى اللّه العادة أنه متى حلت الشمس في البرج الفلاني كان الحرّ لا محالة ، وكذلك في البرد ، لم يكن الإنسان بذلك مخطئا ما لم ينسب ذلك الفعل لغير اللّه الفاعل سبحانه وتعالى ، كما يقول : في الصيف يحصد الزرع وفي الخريف تخترف الثمار ، لا فرق فإذا المقصود أن غذاء النبات الذي كانت منه تلك النبتة أو الحشيشة لا يتمّ إلا بالتراب والماء والهواء والشمس والقمر والكواكب ، ولا يتمّ ذلك إلا بالأفلاك التي هي مركوزة فيها ، ولا تتمّ الأفلاك إلا بحركاتها ، ولا تتحرّك إلا بملائكة يحرّكونها ، وكذلك يتمادى ويتسلسل الأمر فيه إلى ما لا يعلمه إلا اللّه ، وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ [ يوسف : 105 ] ، وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [ المدثر : 31 ] ، فإن قلت : ذكرت أن النبات لا يكون إلا في الأرض وبالماء ، وأنا أرى نباتا مثلا على الحجر الصلد وعلى القرامد وفي السقف والبصل في البيت ، وأرى حيوانا يتولد في الماء وحده دون تراب ، كالخابية والقلة ، وفي داخل الفاكهة ، والحيوان أغرب من النبات . فيقال لك : لولا التراب والغبار الذي على القرامد والطحلب الذي اجتمع في الخابية وإن قلّ ؛ ما رأيت ذلك ، وإلا فانظر آنية مزججة حيث لا يمكن أن يعلق بها شيء من الغبار هل ينبت فيها نبات ؟ ولما كانت القرامد والحجارة فيها من الخشونة وقلة الملوسة بحيث يسكن فيها الماء والغبار وإن قلّ تكوّن فيها ذلك النبات على الماء الراكد ؛ الكلام فيه واحد . فإن قلت : فالبصل في البيت ؟ قيل لك : ليس ذلك ابتداء نبات إنما هو فضلة ماء بقيت في البصلة مما قد تكوّن قبل في التراب . وانظر إلى الحكمة في نباته ، ليس ينبت إلا في الفصل الذي ينبت فيه لو كان في التراب بقدرة اللّه تعالى ، ولقد نظرت إلى العنصل